السيد محمد الصدر

432

تاريخ الغيبة الصغرى

وكانت الحاجة تقتضي إلى أن تتربى البشرية على فهم هذه الأطروحة الجديدة والتضحية في سبيلها ردحا من الزمن ، قبل نزولها إلى حيز التطبيق ، في دولة الحق ، ليتحقق الشرط الثالث على ما سنشير . ومن هنا انفصل نزول الأطروحة عن تطبيقها العالمي ، وبتعبير آخر : انه من أجل ذلك أنزلت الأطروحة قبل موعد تطبيقها بزمن طويل . وقد كان العصر المتأخر عن نزول هذه الأطروحة ، متضمنا للتخطيط لايجاد الشرطين الآخرين . وقد احتوى على تخطيطين رئيسيين مقترنين : التخطيط الأول : لايجاد الشرط الثاني وهو التخطيط لايجاد القائد الذي يمكنه أن يحكم العالم كله بالعدل بدون أن يكون مظنة الظلم أو الانحراف . انه لا يمكن أن يكون فردا عاديا ، مهما أوتي من عبقرية وقابليات . وقد برهنا في « تاريخ الغيبة الكبرى » « 1 » على لزوم أن يكون معصوما ، وعلى ضرورة أن يكون طويل العمر معاصرا لأجيال كثيرة من البشر ، لكي يعيش تجارب واسعة جدا ، ليتكامل جانبه القيادي ذلك التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة . فان الكمال ، كما قلنا غير متناهي الدرجات ، ومهما كان الانسان عظيما فان أمامه درجات لا متناهية أخرى من الكمال . ومن هنا يتعين الفهم الإمامي لهذه القيادة الكاملة المتمثلة بالمهدي عليه السلام ، الذي ولد عام 255 من الهجرة « 2 » ؛ بخلاف الفهم الآخر الذي يتبناه جمهور المسلمين وهو ان المهدي رجل يولد في عصره ، فإنه - على ذلك - يكون فردا عاديا غير قابل للقيادة العالمية العادلة بأي حال . وطبقا للفهم الامامي ، فقد بدأ هذا التخطيط بولادة المهدي عليه السلام عام 255 ، وسينتهي بيوم ظهوره وقيامه بتطبيق دولة الحق . التخطيط الثاني : لإيجاد الشرط الثالث ، وهو إيجاد الجماعة المؤمنة المخلصة المشاركة في توطيد دولة العدل . وقد برهنا أيضا « 3 » على أهمية التمحيص في هذا الحقل بالذات ، فان له يدا طولى في تربية البشرية بكل أفرادها عموما ، وفي إيجاد هذه الجماعة المخلصة

--> ( 1 ) انظر ص 501 وما بعدها . ( 2 ) تاريخ الغيبة الصغرى ، للمؤلف ص 261 . ( 3 ) تاريخ الغيبة الكبرى ، للمؤلف ص 246 وما بعدها .